سيد محمد طنطاوي

207

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر ، بل يمدح ويشكر ، ولكن لأن * ( أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ) * - أي : خارجون عن دائرة هذا الايمان الحق - كرهتم منا ذلك ، وأنكرتموه علينا ، وحسدتمونا على توفيق اللَّه إيانا لما يحبه ويرضاه . وقال الجمل ما ملخصه : وقوله : * ( إِلَّا أَنْ آمَنَّا ) * مفعول لقوله * ( تَنْقِمُونَ ) * بمعنى تكرهون . وهو استثناء مفرغ . وقوله : * ( مِنَّا ) * متعلق به . أي ما تكرهون من جهتنا إلا الإيمان باللَّه وبما أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى . تقول : نقمت عليه بكذا . وإنما عدى هنا بمن لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون . وقوله : * ( وأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ) * يحتمل أن يكون في محل رفع أو نصب أو جر فالرفع على أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أي : وفسقكم ثابت عندكم ، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال حملكم على العناد . والنصب على أن يكون معطوفا على قوله * ( أَنْ آمَنَّا ) * ولكن الكلام فيه مضاف محذوف لفهم المعنى . والتقدير : واعتقاد أن أكثرهم فاسقون وهو معنى واضح فإن الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم - أي الكفار - فاسقون - أي : ما تعيبون منا إلا إيماننا باللَّه وما أنزل إلينا . واعتقادنا أن أكثرهم فاسقون . . وأما الجر فعلى أن يكون معطوفا على علة محذوفة والتقدير : ما تنقمون منا إلا الإيمان باللَّه وبما أنزل . لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم شهواتكم » « 1 » . هذا ومن بلاغة القرآن الكريم ، وإنصافه في الأحكام ، واحتراسه في التعبير أنه لم يعمم الحكم بالفسق على جميعهم . بل جعل الحكم بالفسق منصبا على الأكثرين منهم ، حتى يخرج عن هذا الحكم القلة المؤمنة من أهل الكتاب . وشبيه بهذا قوله في آية أخرى : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ قال بعض العلماء : في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس ، حيث جعلوا الإيمان بما ذكر ، موجبا للنقمة ، مع كونه في نفسه موجبا للقبول والرضا . وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء وذلك الشيء لا يقتضى إثباته فهو منتف أبدا . ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس . فمن الأول قول القائل : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 505 .